قطب الدين الراوندي

25

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

يستحق بها العبادة الذي لا يصل قائل إلى كنه مدحه ، والمدحة فعلة كالركبة والمشية والجلسة التي هي حالة الركوب وهيئة المشي وغاية أكثر الجلوس . والمدح يستحق بفعل الواجب وبفعل ما له صفة الندب وبالتحرز من القبيح . والحمد والمدح يكون بالقول والفعل ، والألف واللام في قوله « القائلون » لتعريف الجنس ، كمثلهما في الحمد . ولو قال « الحمد للَّه الذي لا يبلغ مدحه قائل » لكان أيضا عاما شائعا ، ألا أنه خصص القائلين المبالغين في ذلك ليكون آكد لفظا ومعنى ، وداعي الجمعية وعذوبة اللفظ . والبلوغ الوصول بل هو أعم ، يقال : بلغت المكان إذا أشرفت عليه ( 1 ) وان لم تدخله ، قال اللَّه تعالى « فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ » ( 2 ) ، وهذه مشارفة . وإذا لم يشرف على حمده تعالى بالقول فكيف يوصل إليه بالفعل . والإله مصدر بمعنى المألوه . وأما قوله « ولا يحصي نعماءه العادون » فهو إشارة إلى ما روي أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلم قال : يا علي ما أول ما أنعم اللَّه به عليك فقال : أن خلقني حيا قادرا مشتهيا . فقال : وما الثانية قال : أن عرفني نفسه ومكنني من طاعته ولطف معي توفيقا وعصمة . فقال النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلم : وما الثالثة فقال : يا رسول اللَّه « وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ الله لا تُحْصُوها » ( 3 ) . فقال : ملئت علما

--> ( 1 ) قال ابن أبي الحديد : فالأجود شارفته ، وبين قولنا « شارفته » و « أشرفت عليه » فرق . ( 2 ) سورة الطلاق : 2 . ( 3 ) سورة إبراهيم : 34 ، سورة النحل : 18 .